محمد الحفناوي

122

تعريف الخلف برجال السلف

عليه بعض الطلبة كتب الغزالي على وجه التجمل بها ، فرأى الشيخ في المنام كأنه يضع كتبه في موضع قذر فتركه ولم يعد لتعليمه ، وكان كثير التدبّر للآيات والنظر في الملكوت بعبرة وفكرة . له كرامات كثيرة منها : أنه اشتد الغلاء بقسنطينة في محلة أبي عنان حتى بلغ الفول ثمانية بدرهم ، وعظم الحال فكانت تصله الكتب وفي عنوانها تدفع لسيدي أبي عبد اللّه ، فإذا فتحها وجد بيضا فيها ذهب لا يعرف من أين هي ، فيستعين بها على شأنه حتى خلصه اللّه ، ومنها أنهم أتوا في واد حامل لا يجوزه إلا الفرسان ، وكانت معه حمارة يحمل عليها ، فجازت مع الفرسان سالمة ، فنزلت المحلة قرب الوادي فاتفق ضرب خبائه بموضع مرتفع هناك ، ففي نصف الليل جاء سيل عمّ المحلة وطلع في أخبيتهم وانهدت أبنية السلطان ، فباتوا في أسوأ حال ، وهو في منزله لم يصله الماء فكان السلطان ينظر إليه في تلك الحال ، ويقول : كيف علم بما يتفق الليلة ولم يعلمنا به . ولما وصل في تفسيره الأخير إلى قوله تعالى : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ « 1 » مرض ثمانية عشر يوما ثم مات ليلة الأحد رابع ذي الحجة متمم عام أحد وسبعين ، وحدّث الخطيب الصالح علي بن مزية ، والفقيه راشد وغيرهما ، أنهم رأوا حين موته كأنه يجلس من يدخل عليه ، فكانوا يظنونه الملائكة ، وذكر ولده أبو يحيى أنه في مرضه قبّل المصحف ومسح به وجهه وقال : اللهم كما عززتني به في الدنيا فاعززني به في الآخرة ، ورآه بعض الصلحاء بعد موته فقال له : أين أنت ؟ فقال : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ « 2 » وتأسف لموته السلطان ، وقال لولده عبد اللّه : ما مات من خلفك ،

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 171 . ( 2 ) سورة القمر : الآية 55 .